ابن الأثير

452

الكامل في التاريخ

واستسقى النّاس في أقطار الأرض ، فلم يسقوا ، وتعذّرت الأقوات ، وأكلت الناس الميتة وما ناسبها ، ودام كذلك إلى آخر سنة خمس وسبعين [ وخمسمائة ] ، ثمّ تبعه بعد ذلك وباء شديد عامّ أيضا ، كثر فيه الموت ، وكان مرض النّاس شيئا واحدا ، وهو السرسام ، وكان النّاس لا يلحقون يدفنون الموتى ، إلّا أنّ بعض البلاد كان أشدّ من البعض . ثمّ إنّ اللَّه تعالى رحم العباد والبلاد والدوابّ وأرسل الأمطار ، وأرخص الأسعار . ومن عجيب ما رأيت أنّني قصدت رجلا من العلماء الصالحين بالجزيرة لأسمع عليه شيئا من حديث النبيّ ، عليه السلام ، في شهر رمضان سنة خمس وسبعين [ وخمسمائة ] ، والنّاس في أشدّ ما كانوا غلاء وقنوطا من الأمطار ، وقد توسّط الربيع ولم تجيء قطرة واحدة من المطر ، فبينا أنا جالس ومعي جماعة ننتظر الشيخ ، إذ أقبل إنسان تركمانيّ قد أثر عليه الجوع ، وكأنّه قد أخرج من قبر ، فبكى وشكا الجوع ، فأرسلت من يشتري له خبزا ، فتأخّر إحضاره لعدمه ، وهو يبكي ويتمرّغ على الأرض ويشكو الجوع ، فلم يبق فينا إلّا من بكى رحمة له وللنّاس ، ففي الحال تغيّمت السماء وجاءت نقط من المطر متفرّقة ، فضجّ النّاس واستغاثوا ، ثمّ جاء الخبز ، فأكل التركمانيّ بعضه ، وأخذ الباقي ومشى واشتدّ المطر ودام المطر من تلك الساعة . ذكر غارات الفرنج على بلاد المسلمين في هذه السنة ، في ذي القعدة ، اجتمع الفرنج وساروا إلى بلد دمشق مع ملكهم ، فأغاروا على أعمالها فنهبوها وأسروا وقتلوا وسبوا ، فأرسل